المقريزي

335

المقفى الكبير

ورحل إلى الشيخ أبي الحسن الأشعريّ وأخذ عنه ، وسافر مشرقا ومغربا ، وقدم مصر . قال الحافظ أبو نعيم : كان شيخ الوقت حالا وعلما ، وهو الخفيف الطريف ، له الفصول في الأصول ، والتحقّق والتثبّت في الوصول . وقال أبو العبّاس النسويّ : بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق في العلم والجاه عند الخاصّ والعامّ ، وصار أوحد زمانه ، مقصودا من الآفاق ، مفيدا في كلّ نوع من العلوم ، مباركا على من يقصده ، رفيقا بمن يريده ، يبلغ كلامه مراده . وصنّف من الكتب ما لم يصنّفه أحد . وعمّر حتّى عمّ نفعه ، قال : بقيت في ابتداء أمري بغير نفقة أفطر كلّ ليلة بكفّ باقلّاء . فمضيت يوما وافتصدت فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم وغشي عليّ فتحيّر الفصّاد وقال : ما رأيت جسدا بلا دم إلّا هذا . قال : ما سمعت شيئا من سنن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا استعملته . وضعف في آخر عمره عن القيام في النوافل ، فجعل بدل كلّ ركعة من أوراده ركعتين قاعدا ، للخبر : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم . وقال : ما وجبت عليّ زكاة الفطر أربعين سنة مع ما لي من القبول العظيم بين الخاصّ والعامّ . وقال : كنت أقرأ في ابتداء عمري القرآن كلّه في ركعة واحدة ، وربّما كنت أصلّي من الغداة إلى العصر ألف ركعة . وسئل عن فقير يجوع ثلاثة أيّام فيخرج ويسأل مقدار كفايته ، إيش يقال له ؟ فقال : يقال له : مكدّ ! وكان إذا أراد أن [ 239 ب ] يخرج إلى صلاة الجمعة يفرّق ما عنده من ذهب وفضّة وغير ذلك . ويخرج في كلّ سنة جميع ما عنده ويخرج من الثياب حتّى لا يبقى عنده ما يخرج به إلى الناس . وقال بعض أصحابه : أمرني أن أقدّم إليه كلّ ليلة عشر حبّات زبيب لإفطاره . فأشفقت عليه فجعلتها خمس عشرة حبّة . فنظر إليّ وقال : من أمرك بهذا ؟ - وأكل منها عشرة حبّات وترك الباقي . وقال : قدم علينا بعض أصحابنا فاعتلّ بعلّة البطن ، فكنت أخدمه وآخذ منه الطست طول الليل ، فغفوت مرّة فقال لي : نمت ، لعنك اللّه ! فقيل له : كيف وجدت نفسك عند قوله : لعنك اللّه ؟ قال : كقوله : رحمك اللّه . وكان بابن خفيف وجع الخاصرة ، فكان إذا أخذه أقعده عن الحركة ، فكان إذا أقيمت الصلاة يحمل على الظّهر إلى المسجد . فقيل له : لو خفّفت على نفسك ؟ فقال : إذا سمعتم « حيّ على الفلاح » ولم تروني في الصفّ فاطلبوني في المقابر ! وتوفّي ليلة الثالث من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن مائة وأربع سنين - وقيل : عن مائة إلا خمس سنين . وكانت جنازته عظيمة جدّا ، صلّى عليه نحو من مائة مرّة ، وله أخبار كثيرة . ومن كلامه : التقوى مجانبة ما يبعدك عن اللّه ، والتوكّل الاكتفاء بضمانه وإسقاط التهم عن قضائه . ليس شيء أضرّ على المريد من مسامحة النفس في ركوب الرخص وقبول التأويلات . اليقين تحقّق الأسرار بأحكام المغيّبات . والمشاهدة اطّلاع القلب بصفاء اليقين إلى ما أخبر